عن إسّكس، خروج بريطانيا، الفن و الخوف

773px-Tesla_colorado_adjusted

عادة ما تنحصر كتاباتي في مجالات البيئة من علوم و تكنولوجيا، و لكني لا أستطيع أن أغض الطرف عن الاقتصادات العالمية و هي تنتهج سياسات التضخم التي آلت إلى هضم حقوق الأجيال القادمة و واتساع الفجوة بين ميسوري الحال و معدوميه. يمكنني أن أُشبه الحكومات المسؤولة عن تلك السياسات كأنطمة بيئية تالفة، أو كقوة دفع كهربائية عالية، و لعل عبق الأوزون المحترق هو نذير أخير من “فيوز” يكاد أن ينصهر

و من مظاهر تلك النُذر أيضا صعود دونالد ترمب و ثقافة العنف السائدة عالميا و ما رأيناه من سوء معاملة لللاجئين و الحروب الغير ضرورية البتة، و أخيرا و ليس آخرا، خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بتصويت من شعبها. و إن دلت تلك المظاهر على شيئ فهو أنه حتى أكثر الدول ثراءا و استقرارا و تعليما بإمكانها أن تلقي بأيديها إلى التهلكة بمحض إرادتها. أو كما عبر الشاعر الإيرلندي الكبير ويليام بتلر ييتس عن هذه الحالة في قصيدته “الظهور الثاني” بهذه الأبيات القاتمة

إذ يلتف الصقر ويلتف بدولاب الأكوان

بحركات متباعدة في الدوران ، لا يقدر أن يسمع صقاره

تتداعى الأشياء، والمركز لا يقدر أن يمسك بزمام الأجزاء

فوضى صرف تنفلت على العالم

ينفلت المد الدموي، وفي كل الأنحاء

يغرق طهر الإنسان

فأخيار الناس يعوزهم الإيمان

وأراذلهم يتملكهم شغف الأهواء

و بينما بإمكان التقارير و البيانات العلمية أن تُنير عقولنا، غالبا ما تقف عاجزة عن إلهام نفوسنا كما يفعل كل من الفن و الشعر و الموسيقى. الفنانون، كما هم المفكرين ذوي الأرواح الحرة، قادرون على لجم هيستسريا الحشود و جنونها، و إعادة ثقة سكان المعمورة ببعضهم البعض لخلق مستقبل أكثر إشراقا. آن فرانك أو ستوديو سوريا، على سبيل المثال، يتحديان الصورة النمطية و السطحية عن ماهية اللاجئ. بابلو بيكاسو، في لوحته المعنونة غيرنيكا، صور لنا أهوال الحروب، و تكفل المخرجان السينيمائيان ستانلي كوبريك و أمير كوستوريتسا بتصوير جنونها. أما المخرج البولندي كريستوف كيشلوفسكي، فقد قام باكتشاف ركائز الديموقراطية الثلاث في ثلاثية الألوان الشهيرة. و مواطنه المؤلف المويسقي زبيجنييف برايزنر قدم لنا رؤية قوية في الأمل و الحب و السلام في الأنشودة لتوحيد أوروبا – تلك الرؤية بأبعادها المهمة جدا لنجاح الإتحاد الأوروبي، و التي على ما يبدوا غابت عن ذهن الكثيرين في القارة

الفنانون هم أولئك القادرون على أن يُعيدوا شيئا من التوازن بين قصص الأمل و الخوف في ثقافاتنا

كان الغرق هو مصير سفينة الإسّكس لصيد الحيتان بعد أن هاجمها حوت في جنوب المحيط الهادئ، و كانت تلك الحادثة التراجيدية هي ما ألهم الروائي الأمريكي هيرمان ميلفيل لكتابة رائعته موبي دك. أما قبطان الإسّكس و طاقمه، فقد آثروا الإبحار لآلاف الأميال على زوارق النجاة بُعيد الحادث إلى شواطئ أمريكا اللاتينية على أن يتجهوا إلى جزيرة تاهيتي الأقرب مسافة. السبب: دارت إشاعة بين البحارة عن وجود أكلة لحوم البشر على تلك الجزيرة، و احتل هذا الخوف واضح المعالم عقولهم. لم يتمكن البحارة حينها من تخيل الموت جوعا في خضم الرحلة الطويلة التي آثروها. و فعلا، و في نهاية المطاف، لجأ ثمانية من الناجين لأكل سبعة آخرين من زملائهم، متحولين أنفسهم بذلك لأكلة لحوم بشر – تماما كؤلك الذين هابوهم

مثل سفينة الإسّكس يجسد تماما خوفنا من الإرهاب، و الذي يطغى على مخاطر أصعب تخيلا كتغيير المناخ و التلوث و التدمير البيئي

من سخريات القدر، شهدت مقاطعة إسّكس الإنجليزية واحدة من أعلى نسب التصويت لصالح الخروج من الإتحاد الأوروبي في الاستفتاء المصيري. على ما يبدو، كان الخوف من المهاجرين و اللاجئين هو الطاغي في نفوس المصوتين في إسّكس، متجاهلين بذلك المصاعب التي سيواجهونها حتما ساعة إبحار المملكة المتحدة بعيدا

الصورة أعلاه لنيكولا تسلا من ويكيبيديا. تسلا لم يكن يهاب الكهرباء ذات الجهد العالي، و لكن يقال أنه كان يخاف بشكل غير عقلاني من محارات البحر

Facebook Comments

Comments

comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

two × one =